في سابقة قد تعيد خلط الأوراق السياسية والأمنية في المنطقة، كشفت قناة الجزيرة عبر وثائق وتسجيلات حصرية حصلت عليها، عن تحركات مريبة يقودها نظام الأسد لإنشاء مطبخ عملياتي داخل الأراضي اللبنانية. هذه التسريبات، التي من المقرر عرض تفاصيلها في برنامج المتحري يوم 16 كانون الثاني، تفتح الباب أمام تساؤلات حرجة حول سيادة الدولة اللبنانية المشرعة أمام نفوذ خارجي لا يهدأ.
المثير للقلق في هذه الوثائق هو هوية العقل المدبر، إذ تشير المعطيات إلى أن سهيل الحسن، القائد السابق للقوات الخاصة التابعة للنظام والمسؤول المباشر عن مجزرة الغوطة العام 2018، هو من يقود هذه المهمة. وبحسب المعلومات، فقد بدأ العمل فعلياً على تجهيز مقر في منطقة الحيصة القريبة من الحدود السورية، ليتحول إلى قاعدة عسكرية لإدارة عمليات هجومية تستهدف دمشق انطلاقاً من العمق اللبناني.
لا تتوقف طموحات هذا المخطط عند التجهيز اللوجستي، بل تمتد لتشمل استراتيجية تجنيد واسعة النطاق لقاتلين من جنسيات غير سورية. وتبرز في هذا السياق أسماء لبنانية، من بينها محمود السلمان، الذي يقيم حالياً في منطقة ضهر بشير. السلمان، صاحب السجل القتالي الحافل في معارك داخل سوريا، يُعتقد أنه يحشد الآن لتحرك مسلح جديد تحت إشراف الحسن.
خلف الكواليس، تطل وجوه اقتصادية وسياسية مألوفة، حيث تضع الوثائق رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد في موقع الداعم المالي واللوجستي الأساسي لهذه التحركات. كما تكشف التسريبات عن وجود طيارين سابقين في جيش النظام يقيمون حالياً في فنادق داخل لبنان، بعد أن تم نقلهم من سوريا بدعم إيراني مباشر، في انتظار الالتحاق بالقوات التي يقودها النمر.
وبلغة الأرقام، تظهر التسجيلات ادعاءات الحسن بامتلاك قوة بشرية ضخمة تقدر بنحو 168 ألف عنصر، موزعين على قطاعات استراتيجية حمص، حماة، دمشق، والساحل. هذه القوة ليست مجرد مشاة، بل هي مدعومة بخرائط انتشار وتسليح يشمل صواريخ مضادة للدروع، مدافع، وأسلحة متوسطة وخفيفة.
أمام هذه المعطيات، يبرز التساؤل الجوهري، أين هي الدولة اللبنانية من هذا الاختراق الفاضح؟ التعليق الرسمي الوحيد جاء على لسان نائب رئيس الحكومة، طارق متري، الذي دعا إلى منع أي أعمال عدائية ضد سوريا من لبنان وطالب بتكثيف التعاون مع السلطات السورية.
إلا أن هذا الرد يبدو، من وجهة نظر نقدية، قاصراً عن مواجهة حجم التهديد، فالحديث عن تعاون مع سلطة متهمة أساساً بتدبير هذه العمليات على أرض لبنانية يعكس حالة من التخبط أو العجز عن حماية السيادة الوطنية. إن استخدام لبنان كمنطلق لعمليات عسكرية إقليمية لا يعرض أمنه للخطر فحسب، بل يحوله مجدداً إلى صندوق بريد دامٍ في صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.